Нажми на любое слово — появится разбор, перевод и озвучка носителя.
هل نستطيع بما ألقى به إلينا التاريخ من أخبار أبلتها القرون، وطمستها الحوادث أن نصف بغداد في عهد الرشيد العباسي؟ وهل في مكنة الخيال — وإن أبعد وأغرق — أن يملأ الفراغ، أو يكمل صورة العظمة العباسية في هذا العهد، بعد أن عجز المؤرخ والواصف عن إكمالها؟! لا. إن الخليفة الذي كان يتحدى السحب، ويأمرها في اعتزاز وثقة أن تذهب حيث شاءت؛ لأنها لن تمطر إلا بلاده جدير بأن يطرق القلم قليلا قبل أن يفكر في وصف ضخامة ملكه، وبعد سلطانه، وإن الإمبراطورية التي كانت تبسط حكمها على أطراف الأرض، والتي كانت تجبى إليها ثمرات الدنيا، لحقيقة بأن يعتصم الكاتب إذا حاول تصويرها بالسكوت، فإن من المعاني ما يعجز عنه الكلام ويكبو دون بلوغه الخيال. ويكفينا أن ننتقل بالقارئ في إيجاز وتواضع إلى بغداد في أحد شهور سنة مائة وواحد وثمانين أيام خلافة الرشيد. كانت الشمس تتهادى للغروب، وكانت أشعة الأصيل تسقط على نهر دجلة فتحيل لجينه ذهبا نضارا، وكانت القصور تبدو على الشاطئ الشرقي شامخة البناء، بعيدة الذرا، وكان بينها قصر بني على الطراز البيزنطي، وامتاز بكثرة نوافذه، واتساع حديقته التي أحاطت به؛ فجعلت منه صورة للفن الهندسي الرفيع في إطار أخضر بديع.
هذا قصر أبي عبد الله محمد الموصلي، وقد كان من أعظم تجار بغداد، وأكبر سراتها، طوته يد المنون منذ سنين، وترك لزوجه، وابنته حفصة ثروة تتحدى كنوز قارون.