Нажми на любое слово — появится разбор, перевод и озвучка носителя.
التقيت الآنسة بورجير للمرة الأولى في حفلة شاي في بلدة را…، بينما كنت أحضر محاضرات طبية. كانت فتاة طويلة، ليست بالفاتنة، ولم يكن هناك ما يميز وجهها سوى ما تبديه عيناها من تقلقل غريب. لم تكن عيناها براقتين ولا معبرتين، لكنها أبقتهما في حركة مستمرة لدرجة أنهما بدتا كما لو كانتا تلتقطان الضوء وتعكسانه من مصادر متعددة. وكلما صوبتهما نحو شيء ما ولو حتى لبضع ثوان — وهو أمر نادرا ما كان يحدث — سرعان ما يختفي منهما ذلك الذكاء المصطنع، وتغدوان باهتتين وناعستين. وإنني لعاجز حتى عن تحديد لون عينيها.
بعد احتساء الشاي، كنت واحدا من مجموعة أشخاص سعى مضيفنا، القس الموقر السيد تينكر، لتسليتهم بإطلاعهم على مجموعة من صور الأماكن في الأرض المقدسة. وبينما كنت أحاول إظهار اهتمامي بأوصافه وتوضيحاته، التي كنت قد سمعتها كلها من قبل، لاحظت أن الآنسة بورجير كانت تكرمني بنظرها المستمر إلي. ولما نظرت إليها والتقت أعيننا، وجدت أنني لم أستطع بأي حال من الأحوال إبعاد عيني عن هذه المواجهة. كانت تلك التجربة فريدة، وقد لاحظت ظواهرها بدقة مهنية؛ إذ شعرت حينها بانقباض طفيف في عضلات وجهي، وتنميل في الأعصاب مثل ذلك الذي يسبق فقدان الوعي الناجم عن عملية التخدير. وعلى الرغم من أنني اضطررت إلى مقاومة الشعور البدني بالنعاس، فإن قدراتي العقلية كانت أكثر نشاطا من المعتاد. بدا أن عينيها تخدران جسدي بينما تحفزان ذهني، تماما كما يفعل الأفيون. كنت واعيا تماما بما يحيط بي، ومنتبها على وجه الخصوص إلى سرد السيد تينكر لقصة انتقاله من يافا، وقد رافقته في تلك الرحلة، لا كمستمع إلى حكاية مسافر، ولكن كمن خاض غمار الرحلة بنفسه. وعندما وصلنا أخيرا إلى النقطة التي يتقدم فيها حمار السيد تينكر نحو المنعطف الحاد الأخير حول الصخرة التي حالت دون رؤية ما يوجد أمامنا، حيث امتلأت عيون السيد تينكر بالفرحة والدهشة من المنظر البانورامي المهيب للقدس، رأيت كل ذلك بوضوح استثنائي. رأيت القدس في عيون الآنسة بورجير.