Нажми на любое слово — появится разбор, перевод и озвучка носителя.
«ماذا لو أنني مت تحته؟» ظلت الفكرة تتردد في ذهني وأنا في طريقي إلى المنزل، عائدا من منزل هادون. لم يكن ذلك إلا سؤالا شخصيا تماما؛ إذ كنت قد عوفيت مما يهم الرجل من هموم ومتاعب الزواج، وكنت أعلم أنه ليس لدي إلا عدد قليل من الأصدقاء المقربين، لكنهم سيفجعون لموتي، وسينبع ذلك أساسا من واجبهم في الشعور بالأسى. حين تأملت هذه الفكرة، راودني شعور بالدهشة شابه شعور بالإهانة بعض الشيء؛ فأنى لهذا العدد القليل أن يتجاوز المطلب التقليدي! في طريق عودتي من منزل هادون مرورا بتل بريمورس، رأيت الأمور بوضوح مجردة من بريقها، فتذكرت أصدقائي منذ أيام الصبا، وأدركت أن ما يكنه بعضنا لبعض من مشاعر، ليس إلا ضربا من ضروب العادة؛ إذ كنا نجاهد من أجل أن يلتقي بعضنا ببعض كي نحافظ عليها. ثم هناك منافسي ومساعدي في عملي السابق، وأظن أنني كنت غير مبال أو متحفظ مع هؤلاء — أعتقد أن إحدى الصفتين تنطوي على الأخرى — فربما تكون قدرة المرء على الصداقة مرتبطة بحالته الجسدية. في وقت سابق من حياتي، كنت أجزع حزنا لخسارة أحد أصدقائي، لكن في أثناء عودتي إلى المنزل، عصر ذلك اليوم، كان الجانب العاطفي من مخيلتي خامدا؛ لم أستطع أن أشعر بالشفقة على نفسي ولا بالأسف لأصدقائي، ولم أستطع كذلك أن أتخيل أنهم سيحزنون علي.
رحت أفكر في حالة الموت العاطفي التي انتابتني؛ لا شك أنها عرض مصاحب لهذا العطن الذي أصاب أعضاء جسدي، وهكذا شرد ذهني في هذه الفكرة وما يتولد عنها من أفكار. ذات مرة في عنفوان شبابي، نزفت الكثير من الدماء فجأة وكنت على شفا الموت. أتذكر أن ذلك قد استنزف جل عواطفي وشغفي، فلم أشعر بأي شيء إلا سكينة الاستسلام ورمق من رثاء الذات. مرت أسابيع قبل أن تعود لي الطموحات القديمة والرقة وجميع ما يخالج المرء من تفاعلات أخلاقية معقدة؛ فخطر لي أن المعنى الحقيقي لهذا الخدر قد يكون هو الانسحاب التدريجي من ثنائية اللذة والألم التي يسترشد بها الإنسان البدائي. فقد ثبت، بأكبر قدر من الدقة قد يتوافر في إثبات أي أمر آخر في هذا العالم، أن العواطف السامية والمشاعر النبيلة وحتى ما يكمن في الحب من إيثار لطيف، قد تطورت من رغبات الحيوان ومخاوفه البدائية؛ فهي اللجام الذي يمسك بالحرية الذهنية للإنسان. ويبدو لي أنه حين يحل الموت، وتتلاشى قدرتنا على التصرف، يخبو معها هذا النمو المعقد للدوافع والميل والنفور المتوازنين. فماذا يبقى بعد هذا؟